الأربعاء، 20 مايو 2015

حكومة الأغبياء
مجلس محافظة الأنبار يصوت بالاجمال على مشاركة الحشد الشعبي في تحرير المحافظة.! ما هي الغاية من تأخير التحركات العسكرية لتحرير الأنبار؟ هل هو بدافع الغيرة والروح الوطنية أم هي لعبة دومينو بين الجهات السياسية على رؤوس المغفلين؟ كلنا يعرف ما كان عليه الوضع بعد تحرير تكريت, حيث كانت الروح المعنوية والاستعداد العسكري للجيش والحشد الشعبي في ذروتها القصوى. في حين أن تنظيم داعش كان يعاني من الضعف المادي والمعنوي, وعليه كان من الأجدر أن يتم إتخاذ القرار في حينه لغرض إستغلال إنكسار العدو قبل أن يستجمع قواه ويستعيد السيطرة على المحافظة بالكامل. كلٌ من مجلس النواب و مجلس الوزراء ومجلس محافظة الأنبار وشيوخ عشائر الأنبار وحتى المجتمع الأنباري قد رفضوا جميعاً دخول الجيش والحشد الشعبي لتحرير الأنبار, لكن سرعان ما إنقلبت الموازين بعدما نجح رجال الدين وشيوخ العشائر في إخلاء جميع السكان من المحافظة, والكل صار يدعو إلى التدخل العسكري لإستعادة السيطرة على المحافظة.
يبدو الأمر غريباً للغاية !  يا ترى كيف كانت دراسة الوضع العسكري للعدو وما مدى إستعدادهُ قبل إتخاذ هكذا قرار من قِبل الحكومة؟ ما هي تحضيرات العدو بعد إخلاء سكان المدينة بالكامل؟ وهل كان تهجير السكان إعتباطياً أم مدروس؟ ما هو سبب تأييد أهل الأنبار لدخول الجيش والحشد الشعبي بعدما كانوا رافضين أشد الرفض؟ والكثير من التسائلات قد تطرح على طاولة الحوار بغاية التوصل الى إجابة واضحة.

النتائج تكاد تكون متوقعة عندما يتخذ الأغبياء قراراً في غير محله, رغم أن جميع القراءات السياسية للمنطقة تتنبأ بتحرير المدينة لكن ليس بتلك السهولة التي كانت متاحة في أيام ما بعد تحرير تكريت, يا حكومة الملائكة الفرصة لا تتكرر أبداً , إلا لِلأغبياء .. لأن القدر يعرف بأنهم سيّضيعونها مرة أخرى. جُل ما علينا فعله في هذه الفترة هو بث الدعم المعنوي والإعلامي في صفوف المقاتلين الأبطال الذين ما زالوا يمحون عار حكومة الأغبياء بتضحياتهم وحرصهم الشديد على أرض ثوار الفنادق بعد فرار أهلها.

الاثنين، 4 مايو 2015

موقع العراق جغرافياً
النعمة سيف ذو حدين, بقدر ما هي مَنفعة في نفس الوقت هي مَضرة وربما تتحول الى نقمة, وإن  أشد النِعم خطورةً على العراق هي موقعه جغرافياً. إذ إنه يربط بين دول متناحرة سياسياً ذات اتجاهات مختلفة وأنظمة حُكم مختلفة, من الشرق نظام جمهوري إسلامي تجري فيه إنتخابات رئاسية تعددية كل 4 سنوات, من جهة الشمال جمهورية دستورية برلمانية, بينما النظام السياسي في أقصى الشرق هو نظام نصف رئاسي يُنتخب الرئيس لسبع سنوات قابلة للتجدد, أما الحكم في الاردن فهو نيابي ملكي وراثي وفي السعودية نظام الحكم ملكي وفق الشريعة الاسلامية, لكن في الكويت جنوباً فنظام الحُكم أميري ديمقراطي.
جميع هذه الدول تتشارك نفس الرغبة لفرض سيطرتها على الفاصل المشترك بينها وهو العراق, ومما لا شك فيه إن هذه المنطقة أصبحت موطئ قِدم وأرض رخوة لتنفيذ رغبات ومطامع الأنظمة السياسية المختلفة. وكذلك إن الوعي الاجتماعي لسكان المنطقة والمستوى الثقافي لإدراك المفهوم السياسي قد لعب دوراً مهما في توهين قوة الدولة.
أفراد هذه المنطقة متمسكين بمعتقداتهم وأفكارهم الجاهزة التي وِرثت من الأسلاف, فالإطار الفكري يكاد أن يكون ضيق ومحدود وفقاً لعادات وأعراف البيئة التي يشغلونها, وبالتالي فإن تفسيرهم لأوضاع المنطقة قد يُعزى إلى أسباب دينية وخلافات عقائدية, بحيث إن أمريكا قد وضعت الخطط  وجهزت المؤامرات لمحاربة الاسلام. هذا التفسير تسبب بإحداث تعصب وخلافات بين الأديان وكذلك ضمن الدين الواحد مما ساعد الدول الاخرى على استغلال هكذا ثغرة وبالتالي السيطرة على زمام الأمور داخل العراق.



الثلاثاء، 28 أبريل 2015

الديمقراطية لا تنبت في الصحراء

تبدو الديمقراطية مصطلح غريب في قاموس حياتنا, فكيف يمكن لأجيال عاشت في كنف بيئة دكتاتورية لفترة من الزمن أن تتعايش مع أنظمة وقوانين مستوردة لم ترد يوماً على ذهن أحد, وعليه لا نزال نتحمل خطايا بضاعتنا المستوردة ونقدم تضحيات ودماء بسعرٍ زهيد حيث لا تتجاوز حياة الفرد ثمن رصاصة واحدة.
في حقيقة الأمر إن كل ما يجري من أحداث هو نتيجة فهمنا الخاطئ للديمقراطية, لا أدعو الى نبذ الديمقراطية جملةً وتفصيلاً كما إني في الوقت ذاته لا أتقبلها بهيكلٍ جاهز. حاولنا أن نحدث تغييرات في نمط حياتنا وإتجهاتنا ومعتقداتنا بل وحتى في مظهرنا,  لكننا لم نجرؤ أبداً على تغيير أفكارنا. إذ إننا لا زلنا تحت تأثير التخدير الفكري الذي ورثناه في نهاية القرن العشرين.
أكره المسميات أو إتهام فئة أو إنتماء, الكل متشابهون, مجتمعي يرفض التفاهم فبيننا وبين التفاهم سوء تفاهم, لأن رأيي صواب لا يحتمل الخطأ أبداً, ورأيك خطأ لا يحتمل الصواب أبداً, والويل لمن يقع في الخطأ. لذلك فشلنا في إحتواء الديمقراطية وسط صحرائنا الفكرية ولم نقُل أبداً بالإعتراف, بالعكس أخذنا باللوم على الإستعمار, كم نحن بارعون في تفسير الأحداث وكم نحن غارقون في الأوهام. وما خطرنا لكي نلفت نظر الإستعمار؟ العربي ضعيف و المسلم ضعيف والجاهل لا يشكل خطراً إلا على نفسه, أما زلنا على غرور الأمس؟
كلكم يشبه الأخر, فكل خلاف نتيجة إختلاف, الممّيز فينا معرض للمسائلة والعقاب, يا لِسذاجتنا ويا للعجب, ندعي الإسلام ولم نعرف السلام, ندعي الإنسانية وما عرفنا الإنسان, نبجّل الجاهل ونطعن العالِم, نقدّس الأحمق ونصدق الكذّاب, أي شعب هذا الذي يطالب بالحياة, قد أبدو متشائماً يحترف النقد, لكنني صريح أقولها في العلن, لم نعرف الديمقراطية يوماً ما دمنا نصادر السلام.



الخميس، 11 سبتمبر 2014

نبذة عن حضارة العراق
هل حقيقة الحضارة في العراق هي حلم الطبيعة ام انها ارادة الانسان؟ الواقع ان الحضارة هي صنيعة عناصر وظروف موضوعية تقدم الطبيعة اساسياتها ويحوّل الانسان تلك الاساسيات من حالتها السلبية الى حالة ايجابية (حضارة) ...
هكذا تبدو حضارة العراق فالارض والماء والمناخ ليست حالة خاصة بالعراق انما حالة عامة طبيعية, وهي عناصر تعمل وتؤثر بشكل مستقل لكن الانسان الذي فرض عليها التوازن وخلق من توازنها قاعدة للعمل الحضاري, فحضارة العراق اذن ليست حلم الطبيعة بقدر ما هي ارادة الانسان.
خاصة وان التاريخ يؤيد فكرة الدور الفعال لسكان هذه الارض وهو محصلة ارادة الانسان الذي ذاب واندمج في عناصر الكون الممتد امامه فأصبح يبدع ويبتكر حاجات في الحياة والارتياد,
غير ان هذا الانسان  بقدر ما بذل من جهد في مواكبة الكون الواسع بقدر ما كان واقعياً يدرك قيمة الحركة على الارض فهو على وعي تام ان بين عظمته وبين الكون انجذاب فلم يستطع إلا ان يفكر به وينطلق عبر سعيه ان يتوصل الى ذلك التوازن الرائع بين حاجته على الارض وبين ضرورات السماء في انجذابه الروحي ومن هنا بدأت فكرة الاعتقاد بالروحانيات والتدين تأخذ مجراها بين سكان الاقليم عامة.
اضافة الى ذلك يظهر لدينا عنصر اخر لا يقل اهمية في تأصيل الحضارة وهو قدرة سكان وادي الرافدين على التكتل والاندماج في جماعات منتظمة وبالتالي رضا الفرد بالعمل الجماعي مع الاحتفاظ بحقه في الابداع الفردي بعدما ادرك ان الاعمال الكبيرة ليست من قدرة الفرد انما من اختصاص الجماعات.
من هنا ساعد نجاح الفرد العراقي في احكام التوازن بين حريته الفردية في الابداع وبين ضرورة العيش في جماعات على تطوير نظرته الى الاخرين, هذا الاحساس بالمسؤولية الانسانية هو الذي اعطى حضارة العراق مزية الانتشار تأثيراً دون ان تغرق في نشوة الازدهار وتخفي تأثيرها بحضارات الشعوب فقيمة الحضارة ليست في قيمتها الجمالية والابداعية حسب انما في قدرتها على التأثير والتوالد,

فصناع هذه الحضارة كانوا شديدي الاهتمام بتحقيق انتصار تاريخي دائم يعبر عنه في استمرار الدور اكثر من ان يعبر عنه بالتفوق العرقي, فالاحساس بأن تكون صاحب رسالة عبر التاريخ اكبر بكثير من ان تكون سيداً مضطهداً لفترة قصيرة , وبالتالي اكتسب هذا الاقليم ثابتية تاريخية مطلقة في كل العصور.

الجمعة، 20 يونيو 2014

بين الوطن والمذهب

في الاوئنة الاخيرة كانت حال البلد يرثى لها لما تعرضت له من اهانة و خطر يهدد امن الدولة لكن لم يحرك احدا ساكنا , لا احد يمتلك ادنى فكرة عن التطوع او مساندة رجال الامن, يا ترى ماذا كنا ننتظر؟ كل ثوار العالم كان دافعهم الرئيسي هو الوطن ونحن فقط الذين لا نهتم للوطن اذا لم يكن هناك حافز اساسه الدين والمذهب .
وما يؤسفني حقا ان الوطن لم يكن غاليا بما يكفي ما لم يكن هناك دافع مذهبي يهيمن على عقول عامة الناس, اين كان الشعب قبل ان يطلق رجال الدين نداء الاستغاثة ؟ لماذا لم تكن دوافعنا وطنية قبل ان تكون مذهبية؟ وهل هنالك شك ان من يموت دون وطنه فهو شهيد سواء اعلن الجهاد ام لم يعلن؟ في واقع الامر ان الدين ورجل الدين لا يساوي شيء بدون وطن واني على يقين تام ان الحسين عليه السلام لم يخرج ثائرا من اجل الدين بقدر ما كان ثائرا للانسانية والكرامة والوطن.
كل ما قام به رجال الدين من تشجيع ومساندة لقوى امن الدولة هو في الحقيقة لم يكن الا احدى واجباتهم تجاه وطنهم وشعبهم, فعندما يمتلك رجل الدين نفوذا وشعبية كبيرة بهذا المستوى عليه ان يتميز بدرجة عالية من الحكمة وفي هكذا ظروف خاصة عليه ان يكون صاحب كلمة وقرار صريح يؤهله لان يقود الشعب الى بر الامان.
كل الشكر والتقدير لرجال الدين الذين حفزوا شعبا كان اقرب الى النوم منه الى اليقضة.

الأربعاء، 2 أبريل 2014

إتقِ شر من احسنت اليه

للوهلة الاولى يتبادر في اذهاننا ان القول يحمل روح الحقد واللوم وشيئا من الضغينة  ضمن طبقات اجتماعية متفاوتة , الغني ينظر للفقير نظرة بؤس واحتقار فيحاول قدر الامكان ان يتجنب الاحسان اليه خوفا من ان يطمع الفقير في ماله وبالتالي سرقتة.
اما الفقير فينظر للغني نظرة حسد واحياناً نظرة لؤم اذ يعتقد ان كل ما يتمتع به الغني من ثراء إنما جاء نتيجة تسلط الغني على حقوق الفقير واستنزاف دمه وان كل ما يملكه الاثرياء من منازل فاخرة وعيش رغيد انما هو مبني على رؤوس المغفلين , الفقير بالكاد يحلم ان يصل الى درجة الاثرياء بينما الغني لا يأبى الرضوخ كي يعيش عيشة الفقراء بالتالي تتولد فجوة كبيرة بين طبقتين متناحرتين.
كلنا يتساءل لماذا يحذر الاثرياء من الاحسان على الفقير؟ من الواضح ان الاحسان على الفقير يحقق تكافل اجتماعي ومساوات ولو بنسبة ضئيلة لكن الاحسان بحد ذاته سلاح ذو حدين, عندما يتجاوز الحد الطبيعي تصبح له اثار سلبية " كل شي يزيد عن حده ينقلب ضده".
كما نعلم جميعاً ان النفس البشرية متقلبة حسب ما يحيط بها من ظروف وما تعيشه من واقع, الذي أود ان ابينه ان الانسان بطبيعته غير ثابت المزاج والرأي والسلوك , وانما يتغير تبعا لما ترتضيه له مصالحه وما ينم عنها من منفعة شخصية فأذا مسه الخير منوعا واذا مسه الشر جزوعا.
تخيل لو احسنت على محتاج للمرة الاولى! بالتأكيد سيقابل الاحسان بالاحسان ولو بكلمة بسيطة ردا للجميل لربما انقذته من حالة جوع او مأزق او حاجة ماسة ومن ثم ان عطاءك هذا الغير متوقع احدث فرقا كبيرا بالنسبة له.
ماذا لو احسنت عليه مره اخرى؟ لا شك انه سيرد الاحسان بالاحسان لكن بدرجة اقل من المرة الاولى لانك فعلتها مسبقا , فأصبح عطاءك غير مفاجئ ,لذا تتناسب ردة الفعل مع شدة الموقف.
لكن عندما تقدم مثل هكذا احسان عدة مرات متتالية سيصبح الامر عادة وهكذا فعل متوقع الحصول بدرجة كبيرة لانه اصبح قانون ثابت مستمر قد ينتظر المحتاج بشغف ان يستلم حصته كأنه يقبض مرتب شهري من الحكومة بكل بساطة, لم يعد نفس الشخص الفقير البائس المحتاج بل هو الان انسان اتكالي متعاجز ينتظر المغفلين ان يقدموا له يد العون.

فعندما يقطع المحسن عطاءه يتحول الانسان الفقير الى سبع ضاري ينقلب فجأة رأساً على عقب ليس فقط انه ينسى من احسن اليه بل يتحول الى ألد الاعداء , بالنتيجة اذا اردت ان تصنع عدوك بنفسك "صل ثم اقطع" , لانك ببساطة ستصل الى مرحلة لا يمكن فيها التملص عن العطاء فتصبح مسير غير مخير .هذا غير مقتصر فقط على العطاء المادي بل وحتى العطاء المعنوي من اهتمام وعطف وحتى الثقة بالاخر من الافضل ان تدخل ضمن موازين النفس البشرية , لكي يبقى ضمن الحد المعقول وبالتالي يتحقق توازن ايجابي مقبول.
والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

الجمعة، 14 مارس 2014

" فراشة جزائرية "

للربيع وقتاً
للأحداث الصغيرة
التي تحدث بهدوء ,
تحملني رائحة القداح
ونسماته الابدية ...
من عالم الهمجية
الى عالم  الخيال
عالم لايعرف
سوى احلام طفل
لم يدخل البربرية..!
عالم مجنون...
ارضه بيضاء
ريحه عنبرية ,
سمائه بعض غيمات تائهة...
وطيور ملائكية
تحمل اغصان زيتون
وسنابل ذهبية ..!
عالم يعزف باوتار مسائية ,
بألحان وردية
وبلابل خرزية..
ترقص لها سبع نحلات اسبانية
وفراشة جزائرية ,
في كل حين
يقتلني خصرها الغجرية !!!
فترحل دون سلام
وازهار القداح تعبق خلفها ...

برائحتها الزكية

الأحد، 19 يناير 2014

ارض السواد

لا يوجد مكان في العالم متوازن , مناسب , دافئ وآمن ليتحملنا بما يكفي من الحياة إلا أوطاننا..! لكن اي اوطان؟ المكانية الفعلية التي ولدنا فيها ولا نزال ننتمي لها , ام المكانية الروحية التي تلائم جراحنا وتتكفل بتوفير الطمأنينة وتبعث في نفوسنا روح الحياة كأن تكون قصيدة شعرية , لوحة فنية , مقطوعة موسيقية , فكرة معينة او حتى نظرة فلسفية تجعلك تعيش عالمك الخاص والوطن الذي اخترته بنفسك , لينقلك في رحلة بين الماضي والمستقبل على الاقل ليعوض ما كنت تحتاجه وما ستحتاجه كأنه حلم ولا وجود للحاضر سوى حقيقة كونه واقع ويمكن اعتبارها الحقيقة الكاذبة.
كل منا يشعر بالغربة وحتى في داخل اوطاننا ما لم يكن هنالك ما هو جدير بأن يجعلك تشعر انك جزء فاعل مؤثر ذو دور مهم ووجودك ضروري كوجود اي ضرورة اخرى, ومن ثم كيانك محترم كانسان اولاً وفرد من افراد الوطن ثانياً. وعلى هذا الاساس ان لكل شخص وطنه الخاص في خبايا اعماقه يصنع وجوده ويمحيه متى شاء ذلك واينما وجد وان كان في ارض غير ارضه او تحت سماء غير سمائه.
لكن مع ذلك تبقى في طبيعة الانسان غريزة حب الانتماء والانخراط في مجموعة تكبر او تصغر , ويمكن اعتبارها حالة مرضية لكن جزء منها ايجابي , هكذا غريزة بطبيعتها وان تكن الا نشاطاً ظاهرياً في تمثيل معنى الوطنية لكنها ذات اثر عميق في جوانب اخرى ربما تكون لها ثقلها الخاص في صناعة الشخصية مبدأ وقالباً , فمنها يخرج الوطني والثائر والخائن والمفسد والمصلح من منبع واحد.
فالانسان العراقي على وجه الخصوص بطبيعته يحمل عنصرية خفيفة لانتمائه كونه يحمل موروث حضاري ضخم يعود الى الاف السنين اضافة الى انه قدم للبشرية ما قدم لذا من الفخر ان يعتز بأصله وتاريخه , لكن عندما تفسد هكذا شخصية من الصعب اصلاحها وارجاعها الى الوضع القويم وبالنتيجة يحدث خرق بسيط وشيئا فشيئا تتشوه صورة الحياة والوطن مرة واحدة, من المحتمل ان تضعف فكرة الانتماء و تصبح اللغة السائدة لغة فساد والنظر الى مصحلة الوطن تأتي بشكل متأخر في حسابات الجميع , هكذا عواقب متوقع حصولها ويمكن تشبيه ذلك بالنار المستعرة تأكل في طريقها ما تشاء من الاخضر واليابس , وعليه تكون ضحيتها الاولى بالتحديد الطبقى الوسطى من الشعب, وهي الاهم فسيولوجيا وتكوينا كونها حلقة الربط بين تجارب ماضي عريق وطموح مستقبل مليء بالاحلام.
كما نعلم جميعاً ان حال الفئة الشابة يؤسى لها , عدد كبير من الشهادات والمواهب تقتل و تذهب هدراً , تخيل لو يحسن استغلال هكذا طاقات بشكلها الصحيح ماذا يمكن ان تصنع؟
لذلك من الضروري جدا ان تلبي فكرة الانتماء للوطنية بالمقابل حاجة من ينتمي لها , والا لن يسمى وطن وانما مجرد قطعة ارض فرضت قسراً لا حول لها ولا قوة, فعلى الوطني ان يراجع حساباته ويطالب بأبسط حقوقه المشروعة , "الحقوق لا تعطى وانما تنتزع" , شعوب العالم اجمع لم يحصلوا على حقوقهم اعتباطا بالمجان , انما بالاعتصامات والثورات والتضحيات , على الاقل لكي يعرف العالم ان هنالك ظلم. فعندما يثور شعب لا بد ان هنالك ظلم , لا يمكن ان يثور شعب وهو مرفه وضامن حقوقه بالكامل.

في كل عام تجتمع اعداد هائلة تحت راية الحسين (ع) , كي يقولو كلمتهم , كي ينتفضوا بوجه ظالم وينصروا مظلوم استشهد منذ اكثر من الف عام , كلمتهم واحدة وولائهم واحد, ماذا لو توحدت الكلمة في جوانب اخرى تصب في مصلحة الوطن اولاً والمواطن ثانياً. اجتماع 20 مليون شخص كل عام ماذا يستطيع ان يفعل هؤلاء اذا كانت الرغبة حاضرة في التغير والتوجه صحيح , مجرد صرخة واحدة تلعب دور كبير , تغير المعادلات والمفاهيم , تقلب الطاولة على من يسيء استخدام السلطة.

الأحد، 8 ديسمبر 2013

النظافة من الايمان

طالما سمعنا كثيراً بهذا النداء منذ نعومة اضفارنا , وتردد على مسامعنا مراراً وتكراراً عسى ان يترسخ في اذهاننا, ليكون الحجر الاساس في بناء المدينة الفاضلة التي نحلم بها, ما حصل بالفعل هو ان الشعار ترسخ كشعار ظاهري دون المساس بالمعنى الحقيقة للفكرة او التوغل عميقا الى مضمون الشعار الجوهري .
لعل المقال يحمل شيئا من التشاؤم لكن على ما اظن ليس تشاؤماً بقدر ما هو اعتراف بالتقصير , والاعتراف بالذنب فضيلة كما يقال , سبب هذا التقصير يكمن في حقيقة ان ما تلقيناه منذ النشئة يحمل مفاهيم خاطئة كونها تربية تلقين اكثر مما هي تربية تثقيف وتعليم ,
لكننا اعتدنا على هذه المفاهيم وحينما كشفت الحياة اخطائنا اخذنا نلتمس شتى الاعذار لنبرر فشلنا تحت غطاء ديني او اجتماعي او سياسي كي لا نعترف اننا على خطأ, ثم نلقي باللوم كاملاً على الجهة المسؤولة الحاكمة , نعم الجهة الحاكمة جزء من الفشل لكن بالمقابل نحن ايضا جزء من الفشل , فلا ينبغي ان نتخذ دور المحاسِب كأننا منزهين من الخطأ وننسى ان نحاسب انفسنا اولاَ , هذا لا ينفي كون ان الجهة الحاكمة مقصرة اشد تقصير وقد تبين ذلك جلياً حينما حلت السماء بغضبها على الارض وكشفت مهزلة جديدة للحكومة وزيف الدستور الذي فرض علينا قصراً.

مما يشكل خطورة حالاً هو ان عدة اجيال نشأت ولا زالت تنشأ على سياسة تربوية واحدة وهي عدم الشعور بالمسؤولية, طالما ان الشارع او المستشفى او اي مكان عام ليس ملكاً لاحد فهو غير محترم ومنتهك بسبب مفهومنا الخاطئ للديمقراطية كما يعتقد البعض أن لأي فرد حرية التصرف في الملك العام فقط كونه يعيش في بلد ديمقراطي يكفل له حرية التصرف وإن كلّف ذلك التعدي على حقوق العامة . لذا اذا اردنا تخطي هذه العقبات علينا جميعاً ان نفهم الديمقراطية الموكلة إلينا كما هي ونعي ما علينا من مسؤوليات تجاه بلدنا.

الأحد، 24 نوفمبر 2013

الكون من وجهات نظر مختلفة

عالم الفيزياء يفهم الكون على انه نظرية الكم و النظرية النسبية و نظرية الاوتار الفائقة ,
عالم الكيمياء يفهم الكون على انه عنصر الكاربون مع قليل من الهيدروجين والاوكسجين والنيتروجين ,
عالم الاحياء يفهم الكون على انه مجموعة من الكائنات ليس لها مكان تعيش فيه سوى الارض ,
عالم الجيولوجيا يفهم الكون على انه مناطق مرتفعة تسمى جبال واخرى منخفضة يملؤها الماء تسمى بحار ,
عالم الفضاء يفهم الكون على انه مجموعة من الكواكب والمجرات تتحرك وفق نظام معين وتمتد الى المالانهاية ,
عالم الاثار يفهم الكون على انه قطع اثرية ثمينة متناثرة في الفراغ منذ بلايين السنين ,
عالم الرياضيات يفهم الكون على انه مجموعة من ارقام ومعادلات معقدة ومتداخلة لم يتم حلها الى الان ,
الطبيب يفهم الكون على انه مجموعة متنوعة من البيكتريا والكائنات الدقيقة تتعايش مع الانسان جنباً الى جنب ,
رجل الدين يفهم الكون على ان الرب خلق كائنات مرئية تسمى انس واخرى غير مرئية تسمى جن لأجل عبادته,
الفيلسوف يفهم الكون على انه تركيبة عجيبة من علوم الفيزياء والكيمياء والاحياء والجيولوجيا والفضاء والاثار والرياضيات والطب والدين والفلسفة.

الخميس، 14 نوفمبر 2013

الحسين للانسانية جمعاء

مبادئ الحسين لا زالت في اعماقنا وقابلة للتطبيق في هذا الزمان لكنها بحاجة الى شيء من التأمل والتفكير كي نجعل نظرتنا للقضية نظرة ثاقبة ملمة بأبعاد اخرى ربما تكون منسية او لم تلاقي الاهتمام الكاف الذي يناسب حجمها الى الان , قضية الحسين (ع) انسانية ليست درامية شعارها " هيهات منا الذلة" وعلينا ان نعرف جميعاً ان الطف ليست كما نظن مجرد معركة بين طرفين متخاصمين بقدر ما هي صراع بين الحق والباطل , الخير والشر , الفضيلة والرذيلة , العدل والظلم, ولو دققنا النظر بأفق واسع نلاحظ ان هذا الصراع ليس بالشيء الجديد بل هو صراع قديم مستمر منذ الازل وقد حصد العديد من الارواح منذ ان قامت الحياة كما انه تجسد في عدة مواقف وعدة ازمان ,في كل مرة ينتصر الحق لكن على حساب مجموعة تضحيات تقدم كي يظهر الحق , اذن لا بد من وجود تضحيات نقية خالصة لله وحده والا لن يبقى للحق من كلمة.
من المؤكد ان هذه التضحيات حاضرة ومستمرة ولا بد منها بدءا بقتل هابيل وتضحية ابراهيم (ع) بولده اسماعيل ثم تضحية يعقوب النبي بيوسف (ع) مرورا بتضحية ام موسى بطفلها وتضحية عيسى (ع) بنفسه وصولا الى تضحيات الرسول الاكرم عليه افضل الصلاة والسلام  ثم الحسين (ع) . فلا نستغرب ان يقدم هذا الرجل كل ما عنده من ابناءه واهله واصحابه ومن ثم نفسه في سبيل كلمة الحق, فهو على ادراك تام ان القضية بحاجة الى تضحية بهذا الحجم وهو اهلاً لها.
ألا يستحق هذا الانسان ان يكون قدوة ليس للمسلمين فحسب بل للانسانية جمعاء فالحسين ليس حكرا على فئة معينة , لانه لم يضحِ فقط من اجل الاسلام وانما من اجل الحق ليقهر الباطل من اجل الخير ليقهر الشر من اجل العدل ليقهر الظلم من اجل الحرية ليقهر الاسترقاق والعبودية, ألا ينبغي جميعا ان نخطي خطاه او على الاقل نحافظ على ما ضحى من اجله.
للاسف اليوم كلٌ يهتف للحسين بدون معرفة  حقيقية للحسين , الكل يهرج بأسم الحسين لكن قليل من يعرف قيمة هذا الرجل , البعض يقطع شارع رئيسي بأسم الحسين لكي يؤسس موكب للحسين! اي هرطقة هذه؟ هل يرضى الحسين بهذا الفعل؟ اذا كنت تحب الحسين فهو يدعوك ويدعو الجميع ان تؤسس موكب في قلبك اولاً قبل ان تؤسسه  في الشارع , الحسين لم يقدم كل هذه التضحيات كي تغلق شارع بأسمه , الحسين لم يستشهد كي تؤذي الاخرين وتتعدى على حقوق الصالح العام, هل يرضى الحسين بأذى الاخرين بأسمه؟ اهكذا نحي ذكراه؟

الحسين خرج للاصلاح ونحن نخرب ما اصلحه , الحسين لا يريد الشعارات لا يريد تهريج, احيوا ذكراه بالشعور لا بالشعار , احيوا ذكراه بطريقة حضارية تناسب عظمته , تعلموا من شخصية الحسين فالحسين كله دروس وعبر, نحن بأمس الحاجة الى هكذا دروس اكثر من حاجتنا للشعارات.

الاثنين، 11 نوفمبر 2013


ما هو الدين؟ وهل هو خاضع للعقل والمنطق؟

العقل والمنطق ليس بالشيء المطلق, انما هو نسبي فما تعتبره في نظرك معقول ومنطقي قد يكون مجرد خيال لدى شخص اخر , وما تعتبره خرافة في نظرك قد يكون مقبول في نظر غيرك. لذا لا يمكن ان نلقي اللوم على احد فلكل انسان وجهة نظر ولكل انسان اطار فكري يقيم من خلاله ادلته وبراهينه وفق منطقه الخاص به.
اما بالنسبة للدين في نظري : هو الحالة التي يجد فيها الانسان الاستقرار والطمأنينة وربما السلاح الذي يواجه به مرارة العيش وآلام الحياة , بغض النظر عن صحة رأيه , لذلك هو يعبر عن علاقة خاصة بين الانسان وربه اذا كان موحد او الانسان وعقله اذا كان غير موحد , وهذه العلاقة يجب ان تبقى محفوظة ضمن حدود وخصوصيات الشخص نفسه , كما تقول الحكمة: "رأيي صواب يحتمل الخطأ ورأيك خطأ يحتمل الصواب" , فلنكن صريحين لا يوجد شخص يعرف انه على خطأ ويستمر على خطأه , ما من الممكن ان يحصل ذلك, لكنه يعتقد انه على حق ورأيه هو الصواب , لذا من الواجب علينا ان نحترم رأيه مهما كان , ومهما كانت الجهة التي يدعو اليها .
وفي الختام ارجو ان لا يكون الاختلاف في الرأي منبع للحقد والكراهية والانقسام فلا ننسى اننا نرتبط جميعا تحت ظل الرابط الانساني فكلنا ابن ادم , " ان لم يكن اخ لك في الدين فنظير لك في الخلق " .

الأحد، 10 نوفمبر 2013

ما تبقى من الذائقة

من المحزن جداً اننا نعيش حقبة صعبة تشهد انحطاط في الذوق العام وكيفية تفكير الفرد العراقي وعلى وجه الخصوص الشباب العراقي بما يعانيه من جهل وتخلف بطريقة لا تتلائم مع حضارتنا وتاريخنا العريقين.
قبل ايام كنا نشهد وقع  تأبين بغداد كعاصمة للثقافة العربية, ولكن السؤال الأهم :  هل واقع بغداد الثقافي جدير بأن يكون قدوة للثقافة العربية أم هو مجرد لقب تشريفي؟ هل المجتمع على مستوى عالي من الثقافة بحيث يؤهل لأن يكون المجتمع الأكثر ثقافة عربياً؟
على كل حال لا اريد بهذا المقال الانتقاص من قيمة بغداد لذاتها أو التقليل من شأن مثقفيها ولكن مشكلتي مع المجتمع العراقي ككل أفراد وجماعات,
نحن على دراية تامة بما يمر فيه العراق من ظروف مريرة وما يشهده المجتمع من جو سياسي , ديني, عشائري متداخل بطريقة غريبة ومن المؤكد سيكون له تداعياته في صقل شخصية الفرد وتوجيه فكره بطريقة أو باخرى, وبالتالي تفاعل الفرد مع هكذا ظروف خلق حالة من الاضطراب النفسي والفكري والاخلاقي مما ادى الى فساد الذوق العام وتدني في مستوى التفكير للمجتمع بشكل عام والفئات الشابة بشكل خاص, لنتساءل ما هي اهتمامات الشباب العراقي؟ هل هذه الاهتمامات تسير وفق ما هو مطلوب بحيث تقدم شيء فاعل للمجتمع؟ هل نحن نسير على الطريق الصحيح؟
كلنا يعرف بأن نسبة عالية من المجتمع يعاني من حالة البطالة ومن بينهم خريجون وأصحاب شهادات علمية مرموقة يشار لها بالبنان, لذلك هؤلاء الشباب لا يستغلون الوقت بشكل صحيح, معظمم اوقاتهم تذهب هباءاً في المقاهي وأماكن اللهو واللعب لأجل قتل حالة الفراغ الذي هم في صدده وعليه أغلب طاقات الشباب مشتتة على اللا شيء ان صح التعبير.
قبل مدة ليست بطويلة كانت احدى القنواة الفضائية تتجول في الأزقة والشوارع تستفسر عن احوال المواطن واخبار الشارع العراق فبدر سؤال لطيف من الصحفي لأحد الشباب قال له: لماذا تهدر كل هذا الوقت بالجلوس في المقهى دون استغلاله بشيء مفيد؟
فقال: "وماذا تريدني ان افعل؟ هل اقرأ كتاب مثلاً" ,
يا للعجب وهل قراءة الكتاب تجلب العار؟
لماذا اصبح الكتاب عار بعدما كان خير جليس؟
لماذا اصبح الكاتب مهمش وعرضة للسخرية؟
لماذا اصبح الفن مهجوراً؟
لماذا اصبح الرسام شخص فارغ يضيع اوقاته ببعض التخاريف؟
لماذا اصبح الموسيقي شخص مجنون و الشاعر شخص مخرّف؟
اصبح المثقف والفنان وصاحب الذوق عملة نادرة يستنجد بعضهم بعض كي ينقذه من الجهل والتفاهات, هل يا ترى نعيش في غير زماننا؟
بعدما كانت فيروز سيدة الاغنية الصباحية اصبحت مجموعة ذكريات متناثرة يدفنها التراب, بعدما كانت ام كلثوم كوكب الشرق اصبحت ماضي ومن يستمتع بالماضي فهو "بطران" في نظر المجتمع, كلنا يتحمل مسؤولية ما يحصل الان, لكن لا أحد يريد أن يعترف بهذه الحقيقة المرة,
يا ترى ما هو السبب الرئيسي لتدهور الثقافة عند الشباب وما هو الحل؟
سيقول البعض : "الحكومة دا تبوك بفلوسنا وماكلة حقوقنا..."
ويقول البعض : "يمعود خليهم عايشين شتريد منهم؟"
ويقول اخرون : " كل هذا الي ديصير بسبب امريكا هي متريد العراق يتقدم"
اذا كانت امريكا لا تريد ان يتقدم العراق فلماذا نحن لا نريد ايضاً ؟
ويقولون ويقولون ويقولون.. وتكثر الاقاويل ونحن بين هذا وذاك نطحن بين احجار الرحى يوماً بعد يوم.
لا أنكر هنالك العديد من المبدعين والمثقفين وأصحاب المواهب الفردية لكنهم مهمشون في ظل هذا الواقع المرير حيث أنهم أكثر عرضة للجحود والاستهزاء واللامبالات.
يقول داروين "البقاء للأقوى" يا ترى هل اخطأ داروين أم نحن لم نفهم الحياة بعد, ربما كان يقصد نحن الأضعف ولا مكان لنا للعيش هنا,
اعتقد نحن بحاجة الى ثورة فكرية او حملة تثقيفية على المستوي الفردي والجماعي للتخلص مما نحن فيه من سخافات وتفاهات لا تليق بنا ولا بحضارتنا , وهذا يحتاج الى رجال حقيقيون اصحاب ارادة وعلى قدر عالي من المسؤولية هدفهم الوحيد هو خدمة العراق وشعبه وأهله,

والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
بين الخرافة والحقيقة

يختلف المجتمع في تفكيره ونظرته للحياة من فرد الى اخر, كما نعرف لكل شخص قناعات ومعتقدات خاصة به غير قابلة للشك, البعض يعتمد على الطرق العلمية والمنطقية في تفسير الظواهر وما يجري حوله, البعض الاخر يعتقد بوجود الغيبيات وتأثيها على حياته بشكل مباشر او غير مباشر.
كمثال على ما هو شائع هذه الايام هو الايمان بالابراج واهتمام صاحبها بما يتنبأ له برجه لعله يغالي بها او ينسب لنفسه صفه معينة ليست فيه في سبيل ان يصدق ما يقوله برجه وكأنها حقيقة لا يمكن انكارها, لدرجة ان البعض يعتقد ان هنالك افلاك مسيرة تتحكم به وهي صاحبه الكلمة الاولى والقرار في حسم مصير الشخص , وبالفعل تتحقق بعض تنبئات الابراج, لكن هل كل النبؤات صادقه؟
هذا يعتمد بالدرجة الاساس على الفرد وشدة ايمانه بما تقول له نبؤاته, لذا اعتقد ان داخل كل انسان قوة غيبية تستطيع التغلب على قوى الطبيعة اذا ما صاحبها ايمان كافٍ بهذه القوة.
من غير المنصف ان اقتصر على ذكر الابراج دون غيرها, فليست الابراج وحدها فحسب بل هنالك قراءة الكف وقراءة الفنجان والخيرة وفتح الفال ...وغيرها , فعندما تقول النبؤات ان فلان من الناس سيمر بحادثة مفرحة تسرّه وتسرّ من حوله, شدة ايمان هذا الشخص بنبؤته يخلق حالة من الايحاء الداخلي والاستعداد النفسي لتلقي هذه الحادثة المفرحة, في هذه الحالة سيكون الشخص مهيأ تماماً لاستقبال الفرح لذلك يسعى بكل ما هو ممكن لتحقيق نبؤته بأقرب فرصة ممكنة,
واذا ما سنحت له الفرصة سيحقق النبؤة بنفسه وربما يبالغ في تحقيقها كي يصدق نفسه, لكن في واقع الامر ان حياته طبيعية وتجري وفقا لما هو مألوف وهذه الفرحة حاضرة حتى لو لم تتكهن النبوءة بذلك, ولربما قد يمر بحالة حزن لكنه يتلافاه ولا يعيره اي اهتمام لان استعداده النفسي غير مؤهل لاستقبال الحزن في مثل هكذا ظروف.
لذلك يصدق هذا الشخص ما تتكهن له قراءة الكف او الفنجان ومرة بعد مرة يتضخم هذا التصديق ليصبح ايمان تام وتسليم مطلق بالامور الغيبية, هذه الحالة غير مقتصرة على شخص او فئة معينة بل هي ظاهرة منتشرة بشكل واسع على مستوى مجتمع بأكمله ولها نتاجها السلبي والايجابي معاَ.
مما يلفت النظر هنالك بعض الحالات المثيرة للعجب والخارجة عن حدود المنطق وخصوصا في الفترة الراهنة مع اقتراب شهر محرم فكثير من الناس ينتظر هذا الوقت بشغف كي يحل مشكلة مستعصية او يعالج مريض ببركة هذا الشهر وبركة الامام الحسين (ع), لكن السؤال يطرح نفسه, هل كل الامراض تم علاجها؟ هل كل المشاكل قد تم حلها؟
كما ذكرت انفاً هذا يعتمد على قوة ايمان الشخص واستعداده النفسي للتفاعل مع قضيته, اذن هو علاج نفسي يضعه الشخص ليعالج نفسه بنفسه دون ان يعلم وينسب هذا العلاج لبركة الشهر.
هذا لا يعني ان كل شيء خاضع لهذه القاعدة , فلا يمكنني الجزم بأن كل ما يحصل هو نتيجة استعداد نفسي او تحفيز قوى داخلية فهو مجرد رأي يخطأ تارة ويصيب تارة اخرى , لكني على يقين تام ان لكل فرد قوى داخليه لها اثارها المباشرة وغير المباشرة على الفرد من حيث يعلم او لا يعلم , فهنيئا لمن يحسن استغلال طاقاته بشكل ايجابي.

والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
تشريح الثورة

الارجح أن لكلمة "ثائر" معاني بغيضة كما هو شائع في النظرة السائدة , يبدو الثوري هائجاً , غير حليق, كثير الصخب, وجودي السلوك, مغرماً بالخطابة , متآمراً ضد الحكومة ومستعداً للعنف الا انه يخشاه. وتنشأ الصور الاكثر ايجابية للثائر في عقول اخرى على أنه شخص قوي في المبدأ والنزعة, لم تفسده الاكاذيب, متحمس, عطوف , يحمل روح المحارب مع لمسة الاستعداد للتضحية.
وباستعراض الثورة التي قادها الحسين (ع) نلاحظ أنها لاقت جفاءاً في بادئ الامر وشيء من الخذلان لكن هذا النكران لم يهن من عزيمة رجل ثوري صاحب كلمة وقرار ومن المؤكد انه على دراية بنتائج ثورته, وربما قد تكون المفارقة غريبة لو قورن ببقية الثوار , كما هو واضح لكل ثوري عندما يقود ثورة يكون أمام خيارين عليه ان يتوقع احدها وهو مسؤول عن جميع قراراته إما أن تنجح ثورته فينتصر أو تفشل فيموت , إذ يستحيل الجمع بين الانتصار والشهادة, اما الذي حدث مع الامام الحسين (ع) بحسب ما تعيشه ثورته من اجواء وظروف استثنائية مهدت له الفرصة لان يفوز بكلا الخيارين النصر والشهادة.
كثورة ناجحة لا بد لها من اتباع ومقلدين ومن يتأثرون بها او ينهجون نهجها والا ستلاقي انحساراً وعندها ستكون حاجة ملحة الى ثورة اخرى لاستذكار الثورة السابقة وتثبيت اقدامها على الوسط , ومن الناحية الاخرى واضح أن الرجال الذين يعدون الثوريين أشخاص مميزين وأبطالاً وشهداء يضيفون كذلك الى نظامهم الاجتماعي ويعززون موقفهم في الخلاف ورفض كل ما يخدش انسانيتهم وكرامتهم كأحرار وهذا ما دعا اليه الامام الحسين (ع) .
وعلى هذا الاساس نتناول مجموعة من الاسماء كما ترد الى الذهن ممن حاولو ان يحدثوا تغيير فاعل في واقعهم كثوار وهم :جورج دانتون, نابليون بونابرت , سام آدمز , تشي جيفارا , المهامتا غاندي , لينين وغيرهم.
حقيقة لا يكاد يمكن فهم الرجال من هذا النوع وما يدور في اذهانهم من افكار لأي مبدأ يرمون واي هدف يقصدون؟ هل اغراضهم دنيئة كالشهرة و الطمع بالسلطة ام اغراضهم سامية لنصرة الانسان الضعيف الكادح؟
كلهم ثوريون وكلهم عارضوا السلطة القائمة باللجوء الى اسلوب القوة او اساليب اخرى , وتضم القائمة نبلاء ووجهاء وتجاراً وصحفيين وزعماء سياسيين , كما تضم اثرياء للغاية وفقراء للغاية, وكثيرون يبدون رجالاً طيبيين حسب المعايير السائدة ما قبل الثورة وعدة اشخاص ربما كانو اشرارا حسب تلك المعايير وبعض ممن كانوا شخصيات مهمة في ايام ما قبل الثورة والبعض الاخر من المجهولين الفاشلين في الحياة حتى منحتهم الثورة فرصة الصعود, ومما لا شك فيه ان ايجاد صفة مشتركة لقائمة كهذه ليست مهمة سهلة , لكن من المؤكد ان الرجل التام الرضا لا يمكن ان يكون ثوريا, ان من يشارك في ثورة ما قبل اثبات نجاحها هو شخص ساخط او على الاقل شخص داهية الى حد كافٍ بحيث يقدر وجود ما يكفي من الساخطين لكي يندمج في مجموعة تستطيع احداث ثورة.
من ناحية اخرى ترفع الثورة احياناً رجالاتها الى القمة, وفي احيان اخرى يحدث العكس يرفع الرجال ثوراتهم الى القمة بطريقة تعكس جديتهم وشجاعتهم الكافية وثباتهم على المبدأ الواحد والكلمة الواحدة . لا ريب إن دوافع الحسين (ع) كانت تؤمن بالديمقراطية المطلقة والغاء الرق البشري أو بالاحرى عبودية التفكير ان صح التعبير , فلم يكن رجلاً مثيرا للجدل فحسب بل كان ما يدعوه العالم عموماً مثالياً من النوع الذي يظهر في مواقف الرجل المناسب في الوقت المناسب. ولا يبدو من الحكمة اجمالاً ابراز نوع واحد بوصفه الثوري الكامل, المثاليون في زماننا طبعاً هم ذوي المباديء التي ترسخ مجتمعاً مستقراً ومن المناسب لنا جميعا وجوب وجود رجال ذوي طموحات نبيلة وضعوا خلفهم نفايات هذا العالم من اجل العالم النقي, من اجل الفكرة والمثال من اجل الانسانية جمعاء.
لذا من الواجب علينا ان نرد الاعتبار ونعكس تعاطفنا مع ثورة بهذا الحجم بالوسائل المعقولة  او على الاقل نمتلك الشجاعية الكافية لاستخدام عقولنا علنا ندرك ان ثورة الحسين (ع) لم تكن من أجل لبس السواد والطبخ واللطم والنوح والبكاء والشكليات المظهرية بقدر ما تحمله الثورة من مباديء جوهرية حيث الارادة , الشجاعة , التضحية , المباديء النبيلة ,الانسانية , نصرة الضعيف , احقاق الحق و الثبات على مبدأ واحد وكلمة واحدة بالوسائل التي كان يدعوا اليها الحسين (ع) وثار من اجلها.
والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.