الأحد، 8 ديسمبر 2013

النظافة من الايمان

طالما سمعنا كثيراً بهذا النداء منذ نعومة اضفارنا , وتردد على مسامعنا مراراً وتكراراً عسى ان يترسخ في اذهاننا, ليكون الحجر الاساس في بناء المدينة الفاضلة التي نحلم بها, ما حصل بالفعل هو ان الشعار ترسخ كشعار ظاهري دون المساس بالمعنى الحقيقة للفكرة او التوغل عميقا الى مضمون الشعار الجوهري .
لعل المقال يحمل شيئا من التشاؤم لكن على ما اظن ليس تشاؤماً بقدر ما هو اعتراف بالتقصير , والاعتراف بالذنب فضيلة كما يقال , سبب هذا التقصير يكمن في حقيقة ان ما تلقيناه منذ النشئة يحمل مفاهيم خاطئة كونها تربية تلقين اكثر مما هي تربية تثقيف وتعليم ,
لكننا اعتدنا على هذه المفاهيم وحينما كشفت الحياة اخطائنا اخذنا نلتمس شتى الاعذار لنبرر فشلنا تحت غطاء ديني او اجتماعي او سياسي كي لا نعترف اننا على خطأ, ثم نلقي باللوم كاملاً على الجهة المسؤولة الحاكمة , نعم الجهة الحاكمة جزء من الفشل لكن بالمقابل نحن ايضا جزء من الفشل , فلا ينبغي ان نتخذ دور المحاسِب كأننا منزهين من الخطأ وننسى ان نحاسب انفسنا اولاَ , هذا لا ينفي كون ان الجهة الحاكمة مقصرة اشد تقصير وقد تبين ذلك جلياً حينما حلت السماء بغضبها على الارض وكشفت مهزلة جديدة للحكومة وزيف الدستور الذي فرض علينا قصراً.

مما يشكل خطورة حالاً هو ان عدة اجيال نشأت ولا زالت تنشأ على سياسة تربوية واحدة وهي عدم الشعور بالمسؤولية, طالما ان الشارع او المستشفى او اي مكان عام ليس ملكاً لاحد فهو غير محترم ومنتهك بسبب مفهومنا الخاطئ للديمقراطية كما يعتقد البعض أن لأي فرد حرية التصرف في الملك العام فقط كونه يعيش في بلد ديمقراطي يكفل له حرية التصرف وإن كلّف ذلك التعدي على حقوق العامة . لذا اذا اردنا تخطي هذه العقبات علينا جميعاً ان نفهم الديمقراطية الموكلة إلينا كما هي ونعي ما علينا من مسؤوليات تجاه بلدنا.

الأحد، 24 نوفمبر 2013

الكون من وجهات نظر مختلفة

عالم الفيزياء يفهم الكون على انه نظرية الكم و النظرية النسبية و نظرية الاوتار الفائقة ,
عالم الكيمياء يفهم الكون على انه عنصر الكاربون مع قليل من الهيدروجين والاوكسجين والنيتروجين ,
عالم الاحياء يفهم الكون على انه مجموعة من الكائنات ليس لها مكان تعيش فيه سوى الارض ,
عالم الجيولوجيا يفهم الكون على انه مناطق مرتفعة تسمى جبال واخرى منخفضة يملؤها الماء تسمى بحار ,
عالم الفضاء يفهم الكون على انه مجموعة من الكواكب والمجرات تتحرك وفق نظام معين وتمتد الى المالانهاية ,
عالم الاثار يفهم الكون على انه قطع اثرية ثمينة متناثرة في الفراغ منذ بلايين السنين ,
عالم الرياضيات يفهم الكون على انه مجموعة من ارقام ومعادلات معقدة ومتداخلة لم يتم حلها الى الان ,
الطبيب يفهم الكون على انه مجموعة متنوعة من البيكتريا والكائنات الدقيقة تتعايش مع الانسان جنباً الى جنب ,
رجل الدين يفهم الكون على ان الرب خلق كائنات مرئية تسمى انس واخرى غير مرئية تسمى جن لأجل عبادته,
الفيلسوف يفهم الكون على انه تركيبة عجيبة من علوم الفيزياء والكيمياء والاحياء والجيولوجيا والفضاء والاثار والرياضيات والطب والدين والفلسفة.

الخميس، 14 نوفمبر 2013

الحسين للانسانية جمعاء

مبادئ الحسين لا زالت في اعماقنا وقابلة للتطبيق في هذا الزمان لكنها بحاجة الى شيء من التأمل والتفكير كي نجعل نظرتنا للقضية نظرة ثاقبة ملمة بأبعاد اخرى ربما تكون منسية او لم تلاقي الاهتمام الكاف الذي يناسب حجمها الى الان , قضية الحسين (ع) انسانية ليست درامية شعارها " هيهات منا الذلة" وعلينا ان نعرف جميعاً ان الطف ليست كما نظن مجرد معركة بين طرفين متخاصمين بقدر ما هي صراع بين الحق والباطل , الخير والشر , الفضيلة والرذيلة , العدل والظلم, ولو دققنا النظر بأفق واسع نلاحظ ان هذا الصراع ليس بالشيء الجديد بل هو صراع قديم مستمر منذ الازل وقد حصد العديد من الارواح منذ ان قامت الحياة كما انه تجسد في عدة مواقف وعدة ازمان ,في كل مرة ينتصر الحق لكن على حساب مجموعة تضحيات تقدم كي يظهر الحق , اذن لا بد من وجود تضحيات نقية خالصة لله وحده والا لن يبقى للحق من كلمة.
من المؤكد ان هذه التضحيات حاضرة ومستمرة ولا بد منها بدءا بقتل هابيل وتضحية ابراهيم (ع) بولده اسماعيل ثم تضحية يعقوب النبي بيوسف (ع) مرورا بتضحية ام موسى بطفلها وتضحية عيسى (ع) بنفسه وصولا الى تضحيات الرسول الاكرم عليه افضل الصلاة والسلام  ثم الحسين (ع) . فلا نستغرب ان يقدم هذا الرجل كل ما عنده من ابناءه واهله واصحابه ومن ثم نفسه في سبيل كلمة الحق, فهو على ادراك تام ان القضية بحاجة الى تضحية بهذا الحجم وهو اهلاً لها.
ألا يستحق هذا الانسان ان يكون قدوة ليس للمسلمين فحسب بل للانسانية جمعاء فالحسين ليس حكرا على فئة معينة , لانه لم يضحِ فقط من اجل الاسلام وانما من اجل الحق ليقهر الباطل من اجل الخير ليقهر الشر من اجل العدل ليقهر الظلم من اجل الحرية ليقهر الاسترقاق والعبودية, ألا ينبغي جميعا ان نخطي خطاه او على الاقل نحافظ على ما ضحى من اجله.
للاسف اليوم كلٌ يهتف للحسين بدون معرفة  حقيقية للحسين , الكل يهرج بأسم الحسين لكن قليل من يعرف قيمة هذا الرجل , البعض يقطع شارع رئيسي بأسم الحسين لكي يؤسس موكب للحسين! اي هرطقة هذه؟ هل يرضى الحسين بهذا الفعل؟ اذا كنت تحب الحسين فهو يدعوك ويدعو الجميع ان تؤسس موكب في قلبك اولاً قبل ان تؤسسه  في الشارع , الحسين لم يقدم كل هذه التضحيات كي تغلق شارع بأسمه , الحسين لم يستشهد كي تؤذي الاخرين وتتعدى على حقوق الصالح العام, هل يرضى الحسين بأذى الاخرين بأسمه؟ اهكذا نحي ذكراه؟

الحسين خرج للاصلاح ونحن نخرب ما اصلحه , الحسين لا يريد الشعارات لا يريد تهريج, احيوا ذكراه بالشعور لا بالشعار , احيوا ذكراه بطريقة حضارية تناسب عظمته , تعلموا من شخصية الحسين فالحسين كله دروس وعبر, نحن بأمس الحاجة الى هكذا دروس اكثر من حاجتنا للشعارات.

الاثنين، 11 نوفمبر 2013


ما هو الدين؟ وهل هو خاضع للعقل والمنطق؟

العقل والمنطق ليس بالشيء المطلق, انما هو نسبي فما تعتبره في نظرك معقول ومنطقي قد يكون مجرد خيال لدى شخص اخر , وما تعتبره خرافة في نظرك قد يكون مقبول في نظر غيرك. لذا لا يمكن ان نلقي اللوم على احد فلكل انسان وجهة نظر ولكل انسان اطار فكري يقيم من خلاله ادلته وبراهينه وفق منطقه الخاص به.
اما بالنسبة للدين في نظري : هو الحالة التي يجد فيها الانسان الاستقرار والطمأنينة وربما السلاح الذي يواجه به مرارة العيش وآلام الحياة , بغض النظر عن صحة رأيه , لذلك هو يعبر عن علاقة خاصة بين الانسان وربه اذا كان موحد او الانسان وعقله اذا كان غير موحد , وهذه العلاقة يجب ان تبقى محفوظة ضمن حدود وخصوصيات الشخص نفسه , كما تقول الحكمة: "رأيي صواب يحتمل الخطأ ورأيك خطأ يحتمل الصواب" , فلنكن صريحين لا يوجد شخص يعرف انه على خطأ ويستمر على خطأه , ما من الممكن ان يحصل ذلك, لكنه يعتقد انه على حق ورأيه هو الصواب , لذا من الواجب علينا ان نحترم رأيه مهما كان , ومهما كانت الجهة التي يدعو اليها .
وفي الختام ارجو ان لا يكون الاختلاف في الرأي منبع للحقد والكراهية والانقسام فلا ننسى اننا نرتبط جميعا تحت ظل الرابط الانساني فكلنا ابن ادم , " ان لم يكن اخ لك في الدين فنظير لك في الخلق " .

الأحد، 10 نوفمبر 2013

ما تبقى من الذائقة

من المحزن جداً اننا نعيش حقبة صعبة تشهد انحطاط في الذوق العام وكيفية تفكير الفرد العراقي وعلى وجه الخصوص الشباب العراقي بما يعانيه من جهل وتخلف بطريقة لا تتلائم مع حضارتنا وتاريخنا العريقين.
قبل ايام كنا نشهد وقع  تأبين بغداد كعاصمة للثقافة العربية, ولكن السؤال الأهم :  هل واقع بغداد الثقافي جدير بأن يكون قدوة للثقافة العربية أم هو مجرد لقب تشريفي؟ هل المجتمع على مستوى عالي من الثقافة بحيث يؤهل لأن يكون المجتمع الأكثر ثقافة عربياً؟
على كل حال لا اريد بهذا المقال الانتقاص من قيمة بغداد لذاتها أو التقليل من شأن مثقفيها ولكن مشكلتي مع المجتمع العراقي ككل أفراد وجماعات,
نحن على دراية تامة بما يمر فيه العراق من ظروف مريرة وما يشهده المجتمع من جو سياسي , ديني, عشائري متداخل بطريقة غريبة ومن المؤكد سيكون له تداعياته في صقل شخصية الفرد وتوجيه فكره بطريقة أو باخرى, وبالتالي تفاعل الفرد مع هكذا ظروف خلق حالة من الاضطراب النفسي والفكري والاخلاقي مما ادى الى فساد الذوق العام وتدني في مستوى التفكير للمجتمع بشكل عام والفئات الشابة بشكل خاص, لنتساءل ما هي اهتمامات الشباب العراقي؟ هل هذه الاهتمامات تسير وفق ما هو مطلوب بحيث تقدم شيء فاعل للمجتمع؟ هل نحن نسير على الطريق الصحيح؟
كلنا يعرف بأن نسبة عالية من المجتمع يعاني من حالة البطالة ومن بينهم خريجون وأصحاب شهادات علمية مرموقة يشار لها بالبنان, لذلك هؤلاء الشباب لا يستغلون الوقت بشكل صحيح, معظمم اوقاتهم تذهب هباءاً في المقاهي وأماكن اللهو واللعب لأجل قتل حالة الفراغ الذي هم في صدده وعليه أغلب طاقات الشباب مشتتة على اللا شيء ان صح التعبير.
قبل مدة ليست بطويلة كانت احدى القنواة الفضائية تتجول في الأزقة والشوارع تستفسر عن احوال المواطن واخبار الشارع العراق فبدر سؤال لطيف من الصحفي لأحد الشباب قال له: لماذا تهدر كل هذا الوقت بالجلوس في المقهى دون استغلاله بشيء مفيد؟
فقال: "وماذا تريدني ان افعل؟ هل اقرأ كتاب مثلاً" ,
يا للعجب وهل قراءة الكتاب تجلب العار؟
لماذا اصبح الكتاب عار بعدما كان خير جليس؟
لماذا اصبح الكاتب مهمش وعرضة للسخرية؟
لماذا اصبح الفن مهجوراً؟
لماذا اصبح الرسام شخص فارغ يضيع اوقاته ببعض التخاريف؟
لماذا اصبح الموسيقي شخص مجنون و الشاعر شخص مخرّف؟
اصبح المثقف والفنان وصاحب الذوق عملة نادرة يستنجد بعضهم بعض كي ينقذه من الجهل والتفاهات, هل يا ترى نعيش في غير زماننا؟
بعدما كانت فيروز سيدة الاغنية الصباحية اصبحت مجموعة ذكريات متناثرة يدفنها التراب, بعدما كانت ام كلثوم كوكب الشرق اصبحت ماضي ومن يستمتع بالماضي فهو "بطران" في نظر المجتمع, كلنا يتحمل مسؤولية ما يحصل الان, لكن لا أحد يريد أن يعترف بهذه الحقيقة المرة,
يا ترى ما هو السبب الرئيسي لتدهور الثقافة عند الشباب وما هو الحل؟
سيقول البعض : "الحكومة دا تبوك بفلوسنا وماكلة حقوقنا..."
ويقول البعض : "يمعود خليهم عايشين شتريد منهم؟"
ويقول اخرون : " كل هذا الي ديصير بسبب امريكا هي متريد العراق يتقدم"
اذا كانت امريكا لا تريد ان يتقدم العراق فلماذا نحن لا نريد ايضاً ؟
ويقولون ويقولون ويقولون.. وتكثر الاقاويل ونحن بين هذا وذاك نطحن بين احجار الرحى يوماً بعد يوم.
لا أنكر هنالك العديد من المبدعين والمثقفين وأصحاب المواهب الفردية لكنهم مهمشون في ظل هذا الواقع المرير حيث أنهم أكثر عرضة للجحود والاستهزاء واللامبالات.
يقول داروين "البقاء للأقوى" يا ترى هل اخطأ داروين أم نحن لم نفهم الحياة بعد, ربما كان يقصد نحن الأضعف ولا مكان لنا للعيش هنا,
اعتقد نحن بحاجة الى ثورة فكرية او حملة تثقيفية على المستوي الفردي والجماعي للتخلص مما نحن فيه من سخافات وتفاهات لا تليق بنا ولا بحضارتنا , وهذا يحتاج الى رجال حقيقيون اصحاب ارادة وعلى قدر عالي من المسؤولية هدفهم الوحيد هو خدمة العراق وشعبه وأهله,

والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
بين الخرافة والحقيقة

يختلف المجتمع في تفكيره ونظرته للحياة من فرد الى اخر, كما نعرف لكل شخص قناعات ومعتقدات خاصة به غير قابلة للشك, البعض يعتمد على الطرق العلمية والمنطقية في تفسير الظواهر وما يجري حوله, البعض الاخر يعتقد بوجود الغيبيات وتأثيها على حياته بشكل مباشر او غير مباشر.
كمثال على ما هو شائع هذه الايام هو الايمان بالابراج واهتمام صاحبها بما يتنبأ له برجه لعله يغالي بها او ينسب لنفسه صفه معينة ليست فيه في سبيل ان يصدق ما يقوله برجه وكأنها حقيقة لا يمكن انكارها, لدرجة ان البعض يعتقد ان هنالك افلاك مسيرة تتحكم به وهي صاحبه الكلمة الاولى والقرار في حسم مصير الشخص , وبالفعل تتحقق بعض تنبئات الابراج, لكن هل كل النبؤات صادقه؟
هذا يعتمد بالدرجة الاساس على الفرد وشدة ايمانه بما تقول له نبؤاته, لذا اعتقد ان داخل كل انسان قوة غيبية تستطيع التغلب على قوى الطبيعة اذا ما صاحبها ايمان كافٍ بهذه القوة.
من غير المنصف ان اقتصر على ذكر الابراج دون غيرها, فليست الابراج وحدها فحسب بل هنالك قراءة الكف وقراءة الفنجان والخيرة وفتح الفال ...وغيرها , فعندما تقول النبؤات ان فلان من الناس سيمر بحادثة مفرحة تسرّه وتسرّ من حوله, شدة ايمان هذا الشخص بنبؤته يخلق حالة من الايحاء الداخلي والاستعداد النفسي لتلقي هذه الحادثة المفرحة, في هذه الحالة سيكون الشخص مهيأ تماماً لاستقبال الفرح لذلك يسعى بكل ما هو ممكن لتحقيق نبؤته بأقرب فرصة ممكنة,
واذا ما سنحت له الفرصة سيحقق النبؤة بنفسه وربما يبالغ في تحقيقها كي يصدق نفسه, لكن في واقع الامر ان حياته طبيعية وتجري وفقا لما هو مألوف وهذه الفرحة حاضرة حتى لو لم تتكهن النبوءة بذلك, ولربما قد يمر بحالة حزن لكنه يتلافاه ولا يعيره اي اهتمام لان استعداده النفسي غير مؤهل لاستقبال الحزن في مثل هكذا ظروف.
لذلك يصدق هذا الشخص ما تتكهن له قراءة الكف او الفنجان ومرة بعد مرة يتضخم هذا التصديق ليصبح ايمان تام وتسليم مطلق بالامور الغيبية, هذه الحالة غير مقتصرة على شخص او فئة معينة بل هي ظاهرة منتشرة بشكل واسع على مستوى مجتمع بأكمله ولها نتاجها السلبي والايجابي معاَ.
مما يلفت النظر هنالك بعض الحالات المثيرة للعجب والخارجة عن حدود المنطق وخصوصا في الفترة الراهنة مع اقتراب شهر محرم فكثير من الناس ينتظر هذا الوقت بشغف كي يحل مشكلة مستعصية او يعالج مريض ببركة هذا الشهر وبركة الامام الحسين (ع), لكن السؤال يطرح نفسه, هل كل الامراض تم علاجها؟ هل كل المشاكل قد تم حلها؟
كما ذكرت انفاً هذا يعتمد على قوة ايمان الشخص واستعداده النفسي للتفاعل مع قضيته, اذن هو علاج نفسي يضعه الشخص ليعالج نفسه بنفسه دون ان يعلم وينسب هذا العلاج لبركة الشهر.
هذا لا يعني ان كل شيء خاضع لهذه القاعدة , فلا يمكنني الجزم بأن كل ما يحصل هو نتيجة استعداد نفسي او تحفيز قوى داخلية فهو مجرد رأي يخطأ تارة ويصيب تارة اخرى , لكني على يقين تام ان لكل فرد قوى داخليه لها اثارها المباشرة وغير المباشرة على الفرد من حيث يعلم او لا يعلم , فهنيئا لمن يحسن استغلال طاقاته بشكل ايجابي.

والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
تشريح الثورة

الارجح أن لكلمة "ثائر" معاني بغيضة كما هو شائع في النظرة السائدة , يبدو الثوري هائجاً , غير حليق, كثير الصخب, وجودي السلوك, مغرماً بالخطابة , متآمراً ضد الحكومة ومستعداً للعنف الا انه يخشاه. وتنشأ الصور الاكثر ايجابية للثائر في عقول اخرى على أنه شخص قوي في المبدأ والنزعة, لم تفسده الاكاذيب, متحمس, عطوف , يحمل روح المحارب مع لمسة الاستعداد للتضحية.
وباستعراض الثورة التي قادها الحسين (ع) نلاحظ أنها لاقت جفاءاً في بادئ الامر وشيء من الخذلان لكن هذا النكران لم يهن من عزيمة رجل ثوري صاحب كلمة وقرار ومن المؤكد انه على دراية بنتائج ثورته, وربما قد تكون المفارقة غريبة لو قورن ببقية الثوار , كما هو واضح لكل ثوري عندما يقود ثورة يكون أمام خيارين عليه ان يتوقع احدها وهو مسؤول عن جميع قراراته إما أن تنجح ثورته فينتصر أو تفشل فيموت , إذ يستحيل الجمع بين الانتصار والشهادة, اما الذي حدث مع الامام الحسين (ع) بحسب ما تعيشه ثورته من اجواء وظروف استثنائية مهدت له الفرصة لان يفوز بكلا الخيارين النصر والشهادة.
كثورة ناجحة لا بد لها من اتباع ومقلدين ومن يتأثرون بها او ينهجون نهجها والا ستلاقي انحساراً وعندها ستكون حاجة ملحة الى ثورة اخرى لاستذكار الثورة السابقة وتثبيت اقدامها على الوسط , ومن الناحية الاخرى واضح أن الرجال الذين يعدون الثوريين أشخاص مميزين وأبطالاً وشهداء يضيفون كذلك الى نظامهم الاجتماعي ويعززون موقفهم في الخلاف ورفض كل ما يخدش انسانيتهم وكرامتهم كأحرار وهذا ما دعا اليه الامام الحسين (ع) .
وعلى هذا الاساس نتناول مجموعة من الاسماء كما ترد الى الذهن ممن حاولو ان يحدثوا تغيير فاعل في واقعهم كثوار وهم :جورج دانتون, نابليون بونابرت , سام آدمز , تشي جيفارا , المهامتا غاندي , لينين وغيرهم.
حقيقة لا يكاد يمكن فهم الرجال من هذا النوع وما يدور في اذهانهم من افكار لأي مبدأ يرمون واي هدف يقصدون؟ هل اغراضهم دنيئة كالشهرة و الطمع بالسلطة ام اغراضهم سامية لنصرة الانسان الضعيف الكادح؟
كلهم ثوريون وكلهم عارضوا السلطة القائمة باللجوء الى اسلوب القوة او اساليب اخرى , وتضم القائمة نبلاء ووجهاء وتجاراً وصحفيين وزعماء سياسيين , كما تضم اثرياء للغاية وفقراء للغاية, وكثيرون يبدون رجالاً طيبيين حسب المعايير السائدة ما قبل الثورة وعدة اشخاص ربما كانو اشرارا حسب تلك المعايير وبعض ممن كانوا شخصيات مهمة في ايام ما قبل الثورة والبعض الاخر من المجهولين الفاشلين في الحياة حتى منحتهم الثورة فرصة الصعود, ومما لا شك فيه ان ايجاد صفة مشتركة لقائمة كهذه ليست مهمة سهلة , لكن من المؤكد ان الرجل التام الرضا لا يمكن ان يكون ثوريا, ان من يشارك في ثورة ما قبل اثبات نجاحها هو شخص ساخط او على الاقل شخص داهية الى حد كافٍ بحيث يقدر وجود ما يكفي من الساخطين لكي يندمج في مجموعة تستطيع احداث ثورة.
من ناحية اخرى ترفع الثورة احياناً رجالاتها الى القمة, وفي احيان اخرى يحدث العكس يرفع الرجال ثوراتهم الى القمة بطريقة تعكس جديتهم وشجاعتهم الكافية وثباتهم على المبدأ الواحد والكلمة الواحدة . لا ريب إن دوافع الحسين (ع) كانت تؤمن بالديمقراطية المطلقة والغاء الرق البشري أو بالاحرى عبودية التفكير ان صح التعبير , فلم يكن رجلاً مثيرا للجدل فحسب بل كان ما يدعوه العالم عموماً مثالياً من النوع الذي يظهر في مواقف الرجل المناسب في الوقت المناسب. ولا يبدو من الحكمة اجمالاً ابراز نوع واحد بوصفه الثوري الكامل, المثاليون في زماننا طبعاً هم ذوي المباديء التي ترسخ مجتمعاً مستقراً ومن المناسب لنا جميعا وجوب وجود رجال ذوي طموحات نبيلة وضعوا خلفهم نفايات هذا العالم من اجل العالم النقي, من اجل الفكرة والمثال من اجل الانسانية جمعاء.
لذا من الواجب علينا ان نرد الاعتبار ونعكس تعاطفنا مع ثورة بهذا الحجم بالوسائل المعقولة  او على الاقل نمتلك الشجاعية الكافية لاستخدام عقولنا علنا ندرك ان ثورة الحسين (ع) لم تكن من أجل لبس السواد والطبخ واللطم والنوح والبكاء والشكليات المظهرية بقدر ما تحمله الثورة من مباديء جوهرية حيث الارادة , الشجاعة , التضحية , المباديء النبيلة ,الانسانية , نصرة الضعيف , احقاق الحق و الثبات على مبدأ واحد وكلمة واحدة بالوسائل التي كان يدعوا اليها الحسين (ع) وثار من اجلها.
والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.